محمد بن الطيب الباقلاني
41
إعجاز القرآن
/ وقال : ورمل عزيف الجن في عقباته * هزير كتضراب المغنين بالطبل ( 1 ) وإذا كان القوم يعتقدون كلام الجن ومخاطباتهم ، ويحكون عنهم ، وذلك القدر المحكى لا يزيد أمره على فصاحة العرب - صح ما وصف عندهم من عجزهم عنه كعجز الانس . ويبين ذلك من القرآن : أن الله تعالى حكى عن الجن ما تفاوضوا فيه من القرآن فقال : ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن . فلما حضروه قالوا أنصتوا ، فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين ) ( 2 ) إلى آخر ما حكى عنهم فيما يتلوه . فإذا ثبت أنه وصف كلامهم ، ووافق ما يعتقدونه من نقل خطابهم ، صح أن يوصف الشئ المألوف بأنه ينحط عن درجة القرآن في الفصاحة . وهذان الجوابان أسد عندي من جواب " بعض المتكلمين " عنه ، بأنه عجز الانس ( 3 ) عن القرآن يثبت له حكم الاعجاز ، فلا يعتبر غيره . / ألا ترى أنه لو عرفنا من طريق المشاهدة عجز الجن عنه ، فقال لنا قائل : فدلوا على أن الملائكة تعجز عن الاتيان بمثله ، لم يكن لنا في الجواب غير هذه الطريقة التي قد بيناها . وإنما ضعفنا هذا الجواب ، لان الذي حكى وذكر عجز الجن والإنس ( 4 ) عن الاتيان بمثله - فيجب أن نعلم عجز الجن عنه ، كما علمنا عجز الانس عنه . ولو كان وصف عجز الملائكة عنه ، لوجب أن نعرف ذلك أيضا بطريقه . فإن قيل : أنتم ( 5 ) قد انتهيتم إلى ذكر الاعجاز في التفاصيل ، وهذا الفصل إنما يدل على الاعجاز في الجملة ؟ قيل : هذا كما أنه يدل على الجملة ، فإنه يدل على التفصيل أيضا ، فصح ( 6 ) أن يلحق هذا القبيل . كما كان يصح أن يلحق بباب الجمل . * * *
--> ( 1 ) ديوانه ص 488 والحيوان 6 / 176 . وفى الديوان : " في عقداته هدوءا " . وعزيف الجن : صوت يسمع بين الرمال . وعقدات الرمل : ما انعقد منه . هدوءا : أي بعد ساعة من الليل . هزيز : صوت ، يعنى صوت الوحي وما أشبهها ( 2 ) سورة الأحقاف : 29 ( 3 ) م : " الانسان " ( 4 ) م : " والانس أنهم عجزوا عن " ( 5 ) م : " إنه قد " ( 6 ) م : " فيصح "